محمد محمد أبو موسى

280

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

بعد شئ وحالا بعد حال ، وكأن السامع محاضر تلك الحال يسمعها تسبح ، ومثله قول الأعشى : * إلى ضوء نار في يفاع تحرّق * ولو قال « محرقة » لم يكن شيئا » « 92 » . وقد تأثر الزمخشري في هذا بالامام عبد القاهر الذي يذكر الفرق بين الاخبار بالفعل والاخبار بالاسم ويقول : « انه فرق لطيف تمس الحاجة في علم البلاغة اليه » ثم يعلق على بيت الأعشى المذكور في كلام الزمخشري بقوله : معلوم أنه لو قيل : إلى ضوء نار متحرقة لنبا عنه الطبع وأنكرته النفس » « 93 » . ومثل هذه المقارنة بين صيغة المضارع وصيغة اسم الفعل تكرر في قوله تعالى : « أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ » « 94 » يقول الزمخشري : « فان قلت : لم قيل : « يقبضن » ولم يقل قابضات ؟ قلت : « لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك فجىء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح » « 95 » . فالفعل يفيد التجدد والحدوث . والاسم يفيد الثبوت والاستمرار ، ولا معنى لاحضار الصورة هنا لأن ذلك يكون في حكاية الحال الماضية وما هنا ليس كذلك لأن الناس يرون الطير فوقهم صافات ويقبضن في كل زمان ، فالآية وصف صادق ودقيق للطير في حال طيرانه . وقد يقع المضارع مكان الماضي فيقارن الزمخشري بين الصيغتين ويبين دلالة المضارع وقيمتها في الأسلوب .

--> ( 92 ) الكشاف ج 4 ص 60 - 61 ( 93 ) ينظر دلائل الاعجاز ص 114 - 116 ( 94 ) الملك : 19 ( 95 ) الكشاف ج 4 ص 465